الفيض الكاشاني
354
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وروي أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقف على مزبلة فقال : « هلمّوا إلى الدّنيا ، وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت ( 1 ) فقال : هذه الدّنيا » وهذه إشارة إلى أنّ زينتها ستخلق مثل تلك الخرق وأنّ الأجسام الَّتي ترى بها ستصير عظاما بالية . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ الدّنيا حلوة خضرة ، وإنّ اللَّه مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ، إنّ بني إسرائيل لمّا بسطت لهم الدّنيا ومهّدت تاهوا في الحلية والنساء والطيب والثياب » ( 2 ) . وقال عيسى عليه السّلام : « لا تتّخذوا الدّنيا ربّا فتتّخذكم الدّنيا عبيدا ، اكنزوا كنزكم عند من لا يضيّعه لكم فإنّ صاحب كنز الدّنيا يخاف عليه الآفة وصاحب كنز اللَّه لا يخاف عليه الآفة » . وقال أيضا : « يا معشر الحواريّين إنّي قد كببت لكم الدّنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدي ( 3 ) فإنّ من خبث الدّنيا أن عصي اللَّه فيها وإنّ من خبث الدّنيا أنّ الآخرة لا تدرك إلا بتركها ، ألا فاعبروا الدّنيا ولا تعمروها ، واعلموا أنّ أصل كلّ خطيئة حبّ الدّنيا ، وربّ شهوة ساعة أورثت أهلها حزنا طويلا » . وقال أيضا : « بطحت لكم الدّنيا ( 4 ) وجلستم على ظهرها فلا ينازعنّكم فيها الملوك والنساء ، فأمّا الملوك فلا تنازعوهم في الدّنيا فإنّهم لن يتعرّضوا لكم ما تركتموهم ودنياهم ، وأمّا النساء فاتّقوهنّ بالصوم والصلاة » . وقال أيضا : « الدّنيا طالبة ومطلوبة فطالب الآخرة تطلبه الدّنيا حتى يستكمل فيها رزقه وطالب الدّنيا تطلبه الآخرة حتّى يجيئ الموت فيأخذ بعنقه » . وعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أنّ اللَّه جلّ ثناؤه لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدّنيا
--> ( 1 ) أي بليت ، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد والبيهقي في الشعب من طريقه من رواية ابن ميمون اللخمي مرسلا . وفيه بقية بن الوليد وقد عنعنه وهو مدلس كما في المغني . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4000 دون قوله « ان بني إسرائيل الخ » ورواه ابن أبي الدنيا من حديث الحسن مرسلا بالزيادة التي آخرها كما في المغني . ( 3 ) نعشه اللَّه - كمنعه - رفعه . ( 4 ) بطحه : بسطه ، ألقاه على وجهه .